"الطفولة".. المخطوطة التي فتحت أمام تولستوي أبواب عالم الأدب
تأتي في سبتمبر ذكرى نشر "الطفولة"، أول أعمال ليف تولستوي المنشورة، في مجلة "سوفريمينيك" عام 1852، حين كان كاتبها شابا مجهولا ينتظر بقلق مصير مخطوطته الأولى.
لم يكن صاحب المخطوطة آنذاك هو تولستوي الذي يعرفه العالم من "الحرب والسلام" و"آنا كارينينا"، بل ضابط شاب في الخامسة والعشرين من عمره تقريبا، يخدم في القوقاز ويحاول أن يعرف ما إذا كان ما كتبه يستحق أن يرى النور.
كان تولستوي قد عمل على "الطفولة" بين عامي 1851 و1852، وعندما أرسلها إلى نيكولاي نيكراسوف، محرر "سوفريمينيك"، لم يكن واثقا من تلقي رد إيجابي. حتى إنه أرفق مبلغا من المال لإعادة المخطوطة إليه بالبريد في حال رفضها المحرر.
وفي رسالة مؤرخة في 3 يوليو 1852، كتب تولستوي إلى نيكراسوف أنه ينتظر حكمه بفارغ الصبر، لأن هذا الحكم إما أن يشجعه على مواصلة مساعيه الأدبية أو يدفعه إلى التخلي عنها. لكن نيكراسوف رأى في المخطوطة موهبة حقيقية، وشجع الكاتب الشاب على ألا يختبئ وراء الرسائل، بل أن يبدأ النشر باسمه.
وفي 6 سبتمبر من العام نفسه، ظهرت القصة في العدد التاسع من "سوفريمينيك"، التي كانت آنذاك من أكثر المجلات الأدبية تأثيرا في روسيا. وهكذا دخل اسم تولستوي عالم الأدب من بوابة قصة عن طفل وذكريات الطفولة.
ليست سيرة ذاتية
كان تولستوي قد استمد كثيرا من مادة "الطفولة" من ذكرياته وبيئته العائلية، لكنه لم يقصد تقديم سيرته الذاتية. ولهذا لم يكن راضيا عن العنوان الذي اختارته المجلة: "قصة طفولتي"، مفضلا عنوان "الطفولة".
كان الفرق مهما بالنسبة إليه؛ فـ"قصة طفولتي" توحي باعترافات شخصية، بينما أراد تولستوي أن يتجاوز تجربته الخاصة إلى شيء أوسع: أن يستعيد عالم الطفولة بوصفه مرحلة إنسانية مشتركة.
يعيش القارئ في القصة تجربة نيكولينكا إيرتينييف، الصبي الذي يرى العالم من موقع الطفل، بينما يستعيد الراوي البالغ هذه التجربة بذاكرة مختلفة. ومن هذا التداخل بين نظرة الطفل ووعي الراشد تنشأ إحدى أهم سمات العمل.
استند تولستوي إلى أشخاص عرفهم فعلا في تشكيل بعض شخصياته، ومن بينهم كارل إيفانوفيتش وناتاليا سافيشنا، كما انعكست في القصة تفاصيل من الحياة العائلية والبيئة الأرستقراطية التي نشأ فيها.
أما صورة الأم، فكانت ذات خصوصية كبيرة بالنسبة إلى الكاتب. فقد توفيت والدته عندما كان في الثانية من عمره، ولذلك لم يحتفظ عنها بذكريات مباشرة، لكنه عرف كثيرا عنها من روايات أفراد أسرته، واستعاد صورتها في صفحات العمل.
الطفل من الداخل
الجديد في "الطفولة" لم يكن مجرد اختيار الطفل بطلا للعمل، بل الطريقة التي نظر بها تولستوي إلى عالمه الداخلي.
فهو لا يكتفي بوصف ما يفعله نيكولينكا، بل يتتبع تقلبات مشاعره الدقيقة: فرح يتحول إلى حزن، وغضب يعقبه خجل، وإهانة صغيرة قد تبدو للبالغ تافهة، لكنها تصبح في عالم الطفل حدثا بالغ الأهمية.
لاحقا، أطلق الناقد نيكولاي تشيرنيشيفسكي على هذه الطريقة في تصوير التحولات الداخلية اسم "جدلية الروح"، وهي سمة ستصبح من أبرز ملامح أسلوب تولستوي.
وكان هذا الاهتمام بالنفس البشرية حاضرا في حياة الكاتب نفسه منذ شبابه. فقد بدأ تولستوي كتابة يومياته في التاسعة عشرة من عمره، ووضع لنفسه قواعد صارمة لإصلاح حياته، ثم عاد مرارا إلى تسجيل إخفاقاته وتناقضاته ومحاولاته لفهم نفسه. وفي الوقت الذي كان يحاول فيه قراءة ذاته في دفاتره، كان يتعلم في الأدب كيف يقرأ الآخرين.
لم تكن "الطفولة" مجرد بداية موفقة لكاتب شاب، بل كانت مختبرا مبكرا للأسلوب الذي سيطوره تولستوي لاحقا في أعماله الكبرى. وقد لفتت القصة منذ نشرها انتباه أدباء ونقاد بارزين، بينهم إيفان تورغينيف وإيفان باناييف وبافل أنينكوف.
بعد ذلك ستأتي "الصبا" و"الشباب"، ثم "قصص سيفاستوبول" التي ستمنح تولستوي شهرة أوسع، قبل أن يصل إلى "الحرب والسلام" و"آنا كارينينا". لكن البذرة كانت قد زُرعت بالفعل في القوقاز، عندما أرسل شاب متردد مخطوطته إلى نيكراسوف، غير متأكد من أنها ستُنشر.
بعد أكثر من قرن ونصف، قد تبدو "الطفولة" أقل أهمية بوصفها أول أعمال تولستوي المنشورة، لكنها أكثر أهمية بوصفها العمل الذي ظهر فيه للمرة الأولى الكاتب الذي سيجعل من أدق حركات النفس البشرية مادة أساسية في أدبه.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
من 5 آلاف صفحة إلى 15 ألف جندي.. كيف اقترب بوندارتشوك من تولستوي؟
يستعيد معرض "أقرب ما يكون إلى تولستوي" في فيبورغ بمناسبة مرور 60 عاما على فيلم "الحرب والسلام" الروسي تجربة بوندارتشوك في تحويل الرواية إلى ملحمة سينمائية.
ملامح إسلامية في الأدب الروسي.. حضور يمتد من بوشكين إلى الرواية المعاصرة
يحضر التراث الإسلامي في الأدب الروسي منذ القرن التاسع عشر، متجليا في أعمال كبار الكتّاب، ومواصلا حضوره في الرواية الروسية المعاصرة.
سر رحلة نيكول كيدمان إلى بطرسبورغ تأثرا برواية "الحرب والسلام"
كشفت الممثلة نيكول كيدمان، الحاصلة على جائزة الأوسكار، عن سر مفاجئ في بودكاست "لاس كولتوريستاس"، موضحة أنها تدين بكثير من حياتها للأدب الروسي الذي شكل شخصيتها.
بطرسبورغ وياسنايا بوليانا.. حكاية اللقاء الذي لم يحدث بين دوستويفسكي وتولستوي
ظل القدر حائلا دون لقاء قطبي الأدب الروسي فيودور دوستويفسكي وليف تولستوي، فعلى الرغم من تقديرهما المتبادل، لم تتقاطع دروبهما في الواقع لتظل علاقتهما روحية بامتياز.
التعليقات